السبت، 7 فبراير 2015

(وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون). .

وخلق هذا الإنسان بهذا التكوين العجيب , وبهذه الخصائص الفريدة , وبهذه الوظائف اللطيفة الدقيقة المتنوعة
الكثيرة . خارقة . خارقة نسيناها لطول تكرارها , ولقربها منا ! ولكن التركي ب العضوي لجارحة واحدة من
جوارح هذا الإنسان مسألة تدير الرأس عجباً ودهشة واستهوالاً لهذا التركيب العجيب !
إن الحياة في أبسط صورها معجزة . في الإميبا ذات الخلية الواحدة . وفيما هو أصغر من الإميبا ! فكيف بها
في هذا الإنسان الشديد التركيب والتعقيد ? وهو في تركيبه النفسي أشد تركباً وتعقداً من تركيبه العضوي !
وحوله تلك الخلائق التي تدب على الأرض أنواعاً وأجناس ًا , وأشكالاً وأحجامًا , لا يحصيها إلا الله .
وأصغرها كأكبرها معجز في خلقه . معجز في تصريفه . معجز في تناسب حيواته على هذه الأرض , بحيث
لا يزيد جنس عن حدود معينة , تحفظ وجوده وامتداده , وتمنع طغيانه على الأجناس الأخرى طغيان إباد ة
وإفناء . واليد الممسكة بزمام الأنواع والأجناس تزيد فيها وتنقص بحكمة وتقدير ; وتركب في كل منها م ن
الخصائص والقوى والوظائف ما يحفظ التوازن بينها جميعًا . .
النسور جارحة ضارية وعمرها مديد . ولكنها في مقابل هذا نزرة قليلة البيض والفراخ بالقياس إلى العصافير
والزرازير . . ولنا أن نتصور كيف كان الأمر يكون لو كان للنسور نسل العصافير ? وكيف كانت تقض ي
على جميع الطيور !
والأسود كذلك في عالم الحيوان كاسرة ضارية . فكيف لو كانت تنسل كالظباء والشاء ? إنها ما كانت تبق ي
على لحم في الغابة ولا غذاء . . ولكن اليد التي تمسك بالزمام تجعل نسلها محدودًا بالقدر المطلوب ! وتكثر
من ذوات اللحوم من الظباء والشاء وما إليها لسبب معلوم .
والذبابة الواحدة تبيض في الدورة الواحدة مئات الألوف . . وفي مقابل هذا لا تعيش إلا حوالي أسبوعين اثنين
. فكيف لو افلت الزمام فعاشت الذبابة الواحدة أشهرًا أو سنين ? لكان الذباب يغطي الأجسام ويأكل العيون ?
ولكن اليد المدبرة هناك تضبط الأمور وفق تقدير دقيق محسوب فيه حساب كل الحاجات والأحوال والظروف
.
وهكذا وهكذا . في الخلق ذاته . وفي خصائصه . وفي تدبيره وتقديره . في عالم الناس , وعالم الدواب . .
في هذا كله آيات . آيات ناطقة . ولكن لمن ? من الذي يراها ويتدبرها ويدركها ?
(لقوم يوقنون). .
واليقين هو الحالة المهيئة للقلوب كي تحس , وكي تتأثر , وكي تنيب . . اليقين الذي يدع القلوب تقر وتثبت
وتطمئن ; وتتلقى حقائق الكون في هدوء ويسر وثقة , وفي راحة من القلق والحيرة والزعزعة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق