الأربعاء، 6 أبريل 2022

 قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ قِيلَ: أرادَ عِظامَ نَفْسِهِ، وقِيلَ: عِظامُ حِمارِهِ، وقِيلَ: هُما جَمِيعًا.


قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو (نُنْشِرُها) بِضَمِّ النُّونِ الأُولى، وكَسْرِ الشِّينِ وراءِ مَضْمُومَةٍ. ومَعْناهُ: نُحْيِيها، يُقالُ: أنْشَزَ اللَّهُ المَيِّتَ، فَنَشْرَهم. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، نُنْشِزُها، بِضَمِّ النُّونِ مَعَ الزّايِ، وهو مِنَ النَّشَزِ الَّذِي هو الِارْتِفاعُ


الاثنين، 4 أبريل 2022

 وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا بَرَزَ طالُوتُ لِجالُوتَ قالَ جالُوتُ: أبْرِزُوا إلَيَّ مَن يُقاتِلُنِي، فَإنْ قَتَلَنِي فَلَكم مُلْكِي، وإنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلكُكم. فَأُتِي بِداوُدَ إلى طالُوتَ، فَقاضاهُ إنْ قَتَلَهُ أنْ يُنْكِحَهُ ابْنَتَهُ، وأنْ يُحَكِّمَهُ في مالِهِ، فَألْبَسَهُ طالُوتُ سِلاحًا، فَكَرِهَ داوُدُ أنْ يُقاتِلَهُ بِسِلاحٍ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ إنْ لَمْ يَنْصُرْنِي عَلَيْهِ لَمْ يُغْنِ السِّلاحُ شَيْئًا. فَخَرَجَ إلَيْهِ بِالمِقْلاعِ ومِخْلاةٍ فِيها أحْجارٌ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ جالُوتُ: أنْتَ تُقاتِلُنِي؟ قالَ داوُدُ: نَعَمْ. قالَ: ويْلَكَ، ما خَرَجْتَ إلّا كَما تَخْرُجُ إلى الكَلْبِ بِالمِقْلاعِ والحِجارَةِ، لَأُبَدِّدَنَّ لَحْمَكَ، ولَأُطْعِمَنَّهُ اليَوْمَ لِلطَّيْرِ والسِّباعِ. فَقالَ لَهُ داوُدُ: بَلْ أنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ شَرٌّ مِنَ الكَلْبِ. فَأخَذَ داوُدُ حَجَرًا، فَرَماهُ بِالمِقْلاعِ، فَأصابَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، حَتّى نَفَذَتْ في دِماغِهِ، فَصَرَخَ جالُوتُ، وانْهَزَمَ مَن مَعَهُ،



 ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِیكُم بِنَهَرࣲ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَیۡسَ مِنِّی وَمَن لَّمۡ یَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّیۤ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِیَدِهِۦۚ فَشَرِبُوا۟ مِنۡهُ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡیَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةࣲ قَلِیلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةࣰ كَثِیرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾ [البقرة ٢٤٩]


قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: خَرَجُوا مَعَ طالُوتَ وهم ثَمانُونَ ألْفًا، وكانَ جالُوتُ مِن أعْظَمِ النّاسِ وأشَدِّهِمْ بَأْسًا، فَخَرَجَ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ الجُنْدِ، فَلا تَجْتَمِعُ إلَيْهِ أصْحابُهُ حَتّى يَهْزِمَ هو مَن لَقِيَ، فَلَمّا خَرَجُوا قالَ لَهم طالُوتُ: إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ؛ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي، ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي. فَشَرِبُوا مِنهُ هَيْبَةً مِن جالُوتَ، فَعَبَرَ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ، ورَجَعَ سِتَّةٌ وسَبْعُونَ ألْفًا، فَمَن شَرِبَ مِنهُ عَطِشَ، ومَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ إلّا غُرْفَةً رُوِيَ، فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، فَنَظَرُوا إلى جالُوتَ، رَجَعُوا أيْضًا، وقالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ. فَرَجَعَ عَنْهُ ثَلاثَةُ آلافٍ وسِتُّمِائَةٍ وبِضْعَةٌ وثَمانُونَ، وجَلَسَ في ثَلاثِمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، عِدَّةِ أهْلِ بَدْرٍ.



 

﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِیُّهُمۡ إِنَّ ءَایَةَ مُلۡكِهِۦۤ أَن یَأۡتِیَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِیهِ سَكِینَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِیَّةࣱ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [البقرة ٢٤٨]


قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ .

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّكِينَةُ الطُّمَأْنِينَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّكِينَةُ دابَّةٌ قَدْرَ الهِرِّ؛ لَها عَيْنانِ لَهُما شُعاعٌ، وكانَ إذا التَقى الجَمْعانِ أخْرَجَتْ يَدَيْها، ونَظَرَتْ إلَيْهِمْ، فَيُهْزَمُ الجَيْشُ مِنَ الرُّعْبِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ بِسَنَدٍ فِيهِ مَن لا يُعْرَفُ، مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”السَّكِينَةُ رِيحٌ خَجُوجٌ“»  .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: السَّكِينَةُ رِيحٌ خَجُوجٌ، ولَها رَأْسانِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طَرِيقِ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: السَّكِينَةُ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، ثُمَّ هِيَ بَعْدُ رِيحٌ هَفّافَةٌ.

وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَلَيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ . قالَ: رِيحٌ هَفّافَةٌ، لَها صُورَةٌ، ولَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الصَّدَفِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ في مَجْلِسٍ، فَرَفَعَ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ، ثُمَّ طَأْطَأ نَظَرَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: ”إنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ - يَعْنِي أهْلَ مَجْلِسٍ أمامَهُ - فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ تَحْمِلُها المَلائِكَةُ كالقُبَّةِ، فَلَمّا دَنَتْ مِنهم تَكَلَّمَ رَجُلٌ مِنهم بِباطِلٍ فَرُفِعَتْ عَنْهم“»  .

وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ كَهَيْئَةِ الرِّيحِ؛ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الهِرِّ، وجَناحانِ وذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الهِرِّ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ . قالَ: طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ مِنَ الجَنَّةِ، كانَ يُغْسَلُ فِيها قُلُوبُ الأنْبِياءِ، ألْقى مُوسى فِيها الألْواحَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّكِينَةِ، فَقالَ: رُوحٌ مِنَ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ، إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ، تَكَلَّمَ فَأخْبَرَهم بِبَيانِ ما يُرِيدُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ . قالَ: شَيْءٌ تَسْكُنُ إلَيْهِ قُلُوبُهم. يَعْنِي: ما يَعْرِفُونَ مِنَ الآياتِ يَسْكُنُونَ إلَيْهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أيْ: وقارٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ . قالَ: عَصاهُ ورُضاضُ الألْواحِ.

وأخْرَجَ وكِيعٌ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانَ في التّابُوتِ عَصا مُوسى وعَصا هارُونَ، وثِيابُ مُوسى وثِيابُ هارُونَ، ولَوْحانِ مِنَ التَّوْراةِ، والمَنُّ، وكَلِمَةُ الفَرَجِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ في ”المُبْتَدَأِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَقِيَّةُ رُضاضُ الألْواحِ، وعَصا مُوسى، وعِمامَةُ هارُونَ، وقَباءُ هارُونَ الَّذِي كانَ فِيهِ عَلاماتُ الأسْباطِ، وكانَ فِيهِ طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ، فِيهِ صاعٌ مِن مَنِّ الجَنَّةِ، وكانَ يُفْطِرُ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ، وأمّا السَّكِينَةُ فَكانَتْ مِثْلَ رَأْسِ هِرَّةٍ مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ . قالَ: أقْبَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ حَتّى وضَعَتْهُ في بَيْتِ طالُوتَ، فَأصْبَحَ في دارِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ . قالَ: عَلامَةً.


(الدر المنثور — جلال الدين السيوطي (٩١١ هـ))

 

 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ قَالُوا: نَأْتِي أَرْضًا لَيْسَ بِهَا(١) مَوْتٌ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ(٢) مُوتُوا فَمَاتُوا فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ فَأَحْيَاهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الْآيَةَ.

وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ كَانُوا أَهْلَ بَلْدَةٍ فِي زَمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَوْخَمُوا(٣) أَرْضَهُمْ وَأَصَابَهُمْ بِهَا وَبَاءٌ شَدِيدٌ فَخَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَنَزَلُوا واديًا أفيح، فملأوا مَا بَيْنَ عُدْوَتَيْهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَلَكَيْنِ أَحَدَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي وَالْآخَرَ مِنْ أَعْلَاهُ فَصَاحَا بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ مَوْتَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَحِيزُوا إِلَى حَظَائِرَ وَبُنِي عَلَيْهِمْ جُدْرَانُ وَقُبُورٌ [وَفَنُوا](٤) وَتَمَزَّقُوا وَتَفَرَّقُوا فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ دَهْرٍ مَرّ بِهِمْ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: حِزْقِيلُ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي فَاجْتَمَعَ عِظَامُ كُلِّ جَسَدٍ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ بِأَنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا وَعَصَبًا وَجِلْدًا. فَكَانَ ذَلِكَ، وَهُوَ يُشَاهِدُهُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَرْجِعَ كُلُّ رُوحٍ إِلَى الْجَسَدِ الَّذِي كَانَتْ تَعْمُرُهُ. فَقَامُوا أَحْيَاءً يَنْظُرُونَ قَدْ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ بَعْدَ رَقْدَتِهِمُ الطَّوِيلَةِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ [اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ](٥) لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ.

وَكَانَ فِي إِحْيَائِهِمْ عِبْرَةٌ وَدَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى وُقُوعِ الْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: فِيمَا يُرِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ وَالدَّلَالَاتِ الدَّامِغَةِ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبْرَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَأَنَّهُ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فَرُّوا(٦) مِنَ الْوَبَاءِ طَلَبًا(٧) لِطُولِ الْحَيَاةِ فَعُومِلُوا بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ وَجَاءَهُمُ الْمَوْتُ سَرِيعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ.


(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))



 ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَیُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِی قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ۝٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ لِیُفۡسِدَ فِیهَا وَیُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ۝٢٠٥ وَإِذَا قِیلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ۝٢٠٦ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ۝٢٠٧﴾ [البقرة ٢٠٤-٢٠٧]

قَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيق الثَّقَفِيِّ، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَفِي بَاطِنِهِ خِلَافُ ذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَكَلَّمُوا فِي خُبَيب وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِالرَّجِيعِ وعابُوهم، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ وَمَدْحِ خُبَيب وَأَصْحَابِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾
وَقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْمُنَافِقِينَ كُلِّهِمْ وَفِي الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ. وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالرَّبِيعِ ابن أَنَسٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.


السبت، 2 أبريل 2022

 


﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةࣲ رِّزۡقࣰا قَالُوا۟ هَـٰذَا ٱلَّذِی رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهࣰاۖ وَلَهُمۡ فِیهَاۤ أَزۡوَ ٰ⁠جࣱ مُّطَهَّرَةࣱۖ وَهُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [البقرة ٢٥]



وقولهم ﴿هذا الذي رزقنا من قبل﴾ أي شبيهه ونظيره لا عينه وهل المراد هذا الذي رزقنا في الدنيا نظيره من الفواكه والثمار أو هذا نظير الذي رزقناه قبل في الجنة؟

قيل فيه قولان ففي تفسير السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ أنهم أتوا بالثمرة في الجنة فلما نظروا إليها قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا قال مجاهد: ما أشبهه به وقال ابن زيد: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ يعرفونه وقال آخرون هذا الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة من قبل هذا لشدة مشابهة بعضه بعضا في اللون والطعم واحتج أصحاب هذا القول بحجج:

إحداها: أن المشابهة التي بين الثمار الجنة بعضها لبعض أعظم من المشابهه التي بينها وبين ثمار الدنيا ولشدة المشابهة قالوا: هذا هو الحجة الثانية: ما حكاه بن جرير عنهم قال ومن علة قائلي هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله كما كان


(تفسير ابن القيم — ابن القيم (٧٥١ هـ))


 

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ ضَرَبَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَثَلَ لِلْمُنافِقِينَ بِأصْحابِ هَذا المَطَرِ إذا أضاءَ لَهم مَشَوْا في ضَوْئِهِ، وإذا أظْلَمَ وقَفُوا، كَما أنَّ المُنافِقِينَ إذا كانَ القُرْآنُ مُوافِقًا لِهَواهم ورَغْبَتِهِمْ عَمِلُوا بِهِ، كَمُناكَحَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وإرْثِهِمْ لَهم، والقَسْمِ لَهم مِن غَنائِمِ المُسْلِمِينَ، وعِصْمَتِهِمْ بِهِ مِنَ القَتْلِ مَعَ كُفْرِهِمْ في الباطِنِ، وإذا كانَ غَيْرَ مُوافِقٍ لِهَواهم كَبَذْلِ الأنْفُسِ، والأمْوالِ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ المَأْمُورِ بِهِ فِيهِ وقَفُوا وتَأخَّرُوا. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨، ٤٩] .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ أيْ: إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالمالِ والعافِيَةِ قالُوا: هَذا الدِّينُ حَقٌّ، ما أصابَنا مُنْذُ تَمَسَّكْنا بِهِ إلّا الخَيْرَ ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ أيْ: وإنْ أصابَهم فَقْرٌ أوْ مَرَضٌ أوْ وُلِدَتْ لَهُمُ البَناتُ دُونَ الذُّكُورِ قالُوا: ما أصابَنا هَذا إلّا مِن شُؤْمِ هَذا الدِّينِ وارْتَدُّوا عَنْهُ. وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] .


(أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي (١٣٩٤ هـ))




﴿یَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ یَخۡطَفُ أَبۡصَـٰرَهُمۡۖ كُلَّمَاۤ أَضَاۤءَ لَهُم مَّشَوۡا۟ فِیهِ وَإِذَاۤ أَظۡلَمَ عَلَیۡهِمۡ قَامُوا۟ۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَـٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [البقرة ٢٠]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾

أيْ: يَكادُ نُورُ القُرْآنِ لِشِدَّةِ ضَوْئِهِ يُعْمِي بَصائِرَهم، كَما أنَّ البَرْقَ الخاطِفَ الشَّدِيدَ النُّورِ يَكادُ يَخْطَفُ بَصَرَ ناظِرِهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ البَصَرُ ضَعِيفًا؛ لِأنَّ البَصَرَ كُلَّما كانَ أضْعَفَ كانَ النُّورُ أشَدَّ إذْهابًا لَهُ. كَما قالَ الشّاعِرُ: [ الكامِلُ ]

مِثْلَ النَّهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرى نُورًا ويُعْمِي أعْيُنَ الخُفّاشِ


وَقالَ الآخَرُ: [ الطَّوِيلُ ]

خَفافِيشُ أعْماها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ∗∗∗ ووافَقَها قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ


وَبَصائِرُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في غايَةِ الضَّعْفِ. فَشِدَّةُ ضَوْءِ النُّورِ تَزِيدُها عَمًى. وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا العَمى في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم؛ أيْ: يَكادُ مُحْكَمُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى عَوْراتِ المُنافِقِينَ


(أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي (١٣٩٤ هـ))



 ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النور: ٣٥]


قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَثَلُ نُورِهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ فَهَذا نُورٌ يُضافُ إلى الرَّبِّ، ويُقالُ: هو نُورُ اللَّهِ، كَما أضافَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ، والمُرادُ: نُورُ الإيمانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ خَلْقًا وتَكْوِينًا،


كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]


فَهَذا النُّورُ إذا تَمَكَّنَ مِنَ القَلْبِ، وأشْرَقَ فِيهِ فاضَ عَلى الجَوارِحِ، فَيُرى أثَرُهُ في الوَجْهِ والعَيْنِ، ويَظْهَرُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وقَدْ يَقْوى حَتّى يُشاهِدَهُ صاحِبُهُ عِيانًا، وذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ أحْكامِ القَلْبِ عَلَيْهِ، وغَيْبَةِ أحْكامِ النَّفْسِ.
والعَيْنُ شَدِيدَةُ الِارْتِباطِ بِالقَلْبِ تُظْهِرُ ما فِيهِ.


 ‏مشكاة:


قال تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾.


• المشكاة: (كُوَّة البيت) وهو تجويف غير نافذ يوضع فيه المصباح.